التحرش الجنسى : جوانب نفسية وحِيَل دفاعية

ليس للتحرش الجنسى تعريف موحد عالمياً ولا يوجد فى القانون المصرى استخدام لهذا المصطلح  ، وبغض النظر عن اختلاف المصطلحات المستخدمة عرفياً أو قانونياً أو علمياً واختلاف مدلولاتها وتداخلها أحياناً فإن حدود الاعتداء الجنسى أو التحرش الجنسى يمكن إجمالها بأنها  تبدأ من مجرد الإيماءات ذات الدلالة الجنسية أو الاعتداء اللفظى ذى الدلالة الجنسية حتى حد الاغتصاب .
وقد ورد التحرش الجنسى فى التاريخ العربى الإسلامى فى فترات ضعف الدولة أو ترفها وانحلالها ويبدو ذلك جلياً فيما يُعرَف بشِعر التشبيب وهو وصف محاسن المرأة الحسية الجسدية ، ولا أدلَّ على ذلك من قول الشاعر العباسى مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني واصفاً تحرشاً جنسياً باللمس ربما قام به فعلاً :
زرع الشبابُ لهنَّ رمَّان الصِّبا *** في أنحُرٍ قد زُيِّنت بترائب
فقطفتُ رمَّانَ الصدورِ للذةٍ *** ولمستُ أردافًا كفعل اللاعبِ
ويريد المعتدى جنسياً باعتدائه إظهار :
– القوة وحب السيطرة .
– التعبير عن الكراهية والعدوانية .
– فوقية الذكر فى الاعتداءات الجماعية   male Bravado  .
– الخبرة الجنسية .
إن التحرش الجنسى ليس كما يظنه البعض مجرد كبت جنسى يفرَّغ بعنف ففى أحوالٍ كثيرة يكون له مدلولات أخرى خطيرة ؛ لأن الجنس ليس فى كل الأحوال تعبيراً عن الحب أو مجرد شهوة لكنه قد يكون تفريغاً للضغوط النفسية أو شحنات متراكمة من الغضب الداخلى تم توجيهها إلى الخارج فى المجتمع على شكل عنف ضد الآخرين ولا أدل على ذلك من وجود ما يقارب ال 20 تشابهاً وظيفياً بين آلية حدوث الغضب فى الجسم وبين آلية عمل الجنس .
وينشأ هذا الغضب الداخلى نتيجة إحباط عن تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان من من هواء نقى وشرابٍ نظيف وطعام صحى وجنس ممتع فى إطار مقبول اجتماعياً أو نتيجة تزايد الضغوط الخارجية فوق ما يتحمله الشخص الطبيعى .
وأعتقد أن كل الأسباب والعوامل المرسِّبة للتحرش الجنسى توجد فى مصر فالكبت الجنسى شائع بين غير المتزوجين والمتزوجين أيضاً ، وثقافة الزحام لن تجد مثيلاً لها كما فى وسائل المواصلات المصرية ناهيك عن الحقد الطبقى الناشئ عن انقلاب هرم المجتمع ففى مجتمعنا تجد كثيراً من  العفيفات سكنَّ قبوراً بينما سكن العاهرات قصوراً وتحت ثقافة البيع والشراء فى الزواج كلما زاد جمال العروسة زاد الثمن ستصبح الجميلات من نصيب ” الحرامية والنصابين ” ويستطيع الزواج ” الكسِّيبة ” بينما من أفنى عمره فى التعليم سيكافأ بمزيد من التفريغ للعلم فنصيبه أن يصبح مخصياً لأنه لا يملك تكاليف الزواج أو سيضطر للزواج من المتاح الذى لا يتقبله لكنه سيضطر لتقبله تحت ضغط الحاجة الملحِّة .
وبناءً على بعض ما سبق يمكن تقسيم أنواع للمتحرِّش على أساس نفسى بحيث يضم كل نوع مجموعة من السمات النفسية السلوكية :
# المتحرش العرضي : وهو يشكل غالبية المتحرشين وهو شخص ليس مريضًا وليس دائم التحرش ، أتاحت له الظروف أن يتحرش وذلك تحت ضغط الحرمان الجنسي أو الإثارة أو الصدفة ، وهذا المتحرش لا يعاود فعل التحرش كثيرًا إلا إذا وجد أنه لم يعاقب عليه .
# المتحرش المرضي : فهو الذي يعاود التحرش كثيرًا لأن لديه دوافع قوية ومستمرة في المعاودة ونذكر من أنواع التحرش المرضي :
1 – الاستعرائي : وهو الشخص الذي يقوم بتعرية أجزاء جسمه أمام الفتيات ، ويشعر بالنشوة والمتعة حين يري علامات الدهشة والخجل علي وجه ضحاياه ، وهو لا يحتاج من فعل التحرش أكثر من مجرد الاستعراء .
2 – التحككي : وهو الذي يقوم بتحككه بالجنس الآخر في وسائل الموصلات وفي الأسواق ، وفي الأماكن المزدحمة بوجه عام وهو يمارس الاحتكاك في البداية كأنه غير مقصود فإذا غضبت الضحية ربما يعتذر لها أما إذا سكتت وتقبلت ذلك فإنه يوصل تحككه بها .
3 – السادي : وهو الذي يستمتع بإيذاء من يتحرش بها وإهانتها ويستمتع بنظرة الضيق علي وجهها .
والحالات المرضية التي ذكرناها هي أنواع من الانحرافات الجنسية وكونها انحرافات لا يعني أن هؤلاء الأشخاص يُعفَوْن من المسئولية تجاه أفعالهم ، فهم مسئولون عرفًا وقانونًا عما يفعلونه ، وهم وذويهم مسئولون عن البحث عن المساعدة العلاجية المتخصصة ، وفي حالة إهمالهم للعلاج ، وتورطهم في مثل هذه الأفعال المشينة فإن العقوبات القانونية التي يواجهونها هي جزء من علاجهم وتقويمهم .
أما المتحرَّش بها الضحية فإنه يمكن تقسيم أنواع لها أيضاً على أساس نفسى بحيث يضم كل نوع مجموعة من السمات النفسية السلوكية :
1 – العرضية : وهي تشكل غالبية المتحرَّش بهن فهي قد تعرضت للتحرش بالصدفة ولم تساهم بأي شكل من الأشكال في حدوث التحرش وغالبًا تكون محتشمة ولم تحاول أن تثير غرائز المتحرش ، وإنما تصادف أنها تواجدت في طريق هذا المتحرش الذي يبحث عن أية ضحية .
2– الهيستيرية : وهي التي تبالغ في زينتها وإظهار محاسنها ومفاتنها ، وتكون ملفتة للنظر لأنها في داخل نفسها تبحث عن الاهتمام والإعجاب فهي بالتالي تثير رغبة المتحرش تجاهها ، فيعتقد أن مبالغتها في زينتها هو ضوء أخضر للتحرش بها علي الرغم من أنها هي نفسها تضيق جدًا بأفعال المتحرش فهي تريد الاهتمام والإعجاب فقط لأنها قد تكون من الداخل باردة جنسياً .
3 – السيكوباتية : وهي المرأة سيئة السلوك التي تسهل للمتحرش عملية التحرش بها لكي تقوم بعد ذلك بإهانته وابتزازه بحصولها علي المال مقابل سكوتها علي من تحرش بها .
وللضحية ردود فعل نفسية جسدية تمثل آثاراً فورية ومتوسطة وطويلة الأمد حسب نوع الاعتداء وتزداد حدتها مع ازدياد شدة الاعتداء :
– ذعر شديد وفورى على سلامة أعضائها التناسلية ( أو حياتها فى حالة الاغتصاب ) .
– الانفصال عن الواقع والتغييب  Depersonalisation   وهو الإحساس بأن شخصاً ما ليس حقيقياً أو موجوداً بالفعل .
ردود فعل تكيفية : على المدى البعيد
– قلق ، اكتئاب مصحوب بإحساس مركز بالذنب والعار ، أفكار انتحارية ، إيذاء أو تشويه للنفس ، غضب ، إدمان للكحول والعقاقير .
– كرب ما بعد الصدمة   PTSD  post traumatic stress disorder   .
وهو أى تجربة تشمل تهديداً أو فقداً الحياة  خارج الخبرة البشرية العادية ( هنا لمس الأعضاء التناسلية بغير رضىً حتى الاغتصاب  ) تؤدى إلى استمرار إعادة تجربة الصدمة على صورة :
كوابيس – فلاش باك – ذكريات تطفلية اقتحامية – مزاج مكتئب – قلق – أرق – ضعف التركيز – سرعة الغضب – فرط اليقظة والحذر – تجنب المواقف التى تذكر بالصدمة .
– صعوبات فى الحياة الزوجية والعلاقات الإنسانية خصوصاً العاطفية .
– خلل فى الوظيفة الجنسية ( عُقَد تجاه الجنس ) .
– فقد الوظيفة والدخل .
وعن كيفية التعامل مع حالات التحرش يوضح د.محمد المهدي ، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر ، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر أنه يجب علي الفتاة ألا تتواجد في أماكن مغلقة مع أشخاص يمكن أن يتحرشوا بها أو في أماكن معزولة أو أن تسير وحدها في وقت متأخر من الليل وهذا ما نسميه بتفادي التحرش أما إذا اضطرت لمواجهة متحرش في وسيلة مواصلات أو في مكتب أو في غرفة مغلقة فعليها أن تبتعد فورًا عن المتحرش وتذهب إلي مكان أكثر أمناً ، أما إذا لم يكن ابتعادها عن المتحرش ممكنًا فيجب أن تواجهه بنظرة صارمة أو بكلمات تحذيرية ومؤكدة أو تهديد مباشر وجاد بالإبلاغ عنه وربما في بعض المواقف تحتاج إلي أن تصرخ وتطلب الاستغاثة . أما إذا أصيبت المتحرش بها بمشكلات نفسية فعلينا مساعدتها لإخراج مشاعرها بالحوار العلاجي لتجاوز الأزمة بلا آثار شديدة . وعلي الأسرة أن توعِّي أولادها لمواجهة المتحرشين وألا تسكت علي حالات التحرش ولو كانت من أحد الأقارب أو المحارم .
وإليكنَّ بعض الطرق غير المعتادة فى تعامل المرأة مع المتحرِّش بها :
# استخدام الحيل النسائية باللعب على نفسية المعتدِى :
قصة حمام منجاب
يُروَى أن امرأة عفيفة حسناء خرجت إلى حمَّام معروف باسم ” حمام مِنجاب ” , فلم تعرف طريقه وتعبت في المشي ، فرأت رجلاً على باب داره فسألته عن الحمَّام فقال: هو ذا وأشار إلى باب داره , وكان باب داره يشبه باب هذا الحمام , فلما دخلت أغلق الباب , فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه وقالت – لتخدعه – وتتخلص مما هي فيه خوفاً من فعل الفاحشة : يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا , اشترِ لنا شيئاً من الطِّيب وشيئاً من الطعام و عجِّل العودة إلينا , فقال لها : الساعة آتيك بما تريدين وتشتهين , وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها لأنه كان واثقاً بها وبرغبتها ، فاشترى الرجل ما يليق ورجع الى المنزل فوجدها قد خرجت وذهبت , فهام الرجل بها وأكثر ذِكرَها وصار يمشي كالمجنون في الأزقة وهو يقول : يا رُبَّ قائلةٍ يوماً وقد تَعِبَتْ ****** أين الطريقُ إلى حَمَّام مِنجابِ
فبينما يقول ذلك إذا جاريته تقول له:
هلاّ جعلتَ سريعاً إذ ظفرتَ بها ****** حِرزاً على الدار أو قُفلاً على الباب
فازداد هيمانه بها واشتد هيجانه , ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا , وكان كلما قيل له وهو يُحتَضر : قل لا إله إلا الله , يقول هذا البيت , فانظر كيف منعته هذه الخطيئة عن الإقرار بالشهادتين عند الموت مع أنه لم يصدر منه إلا إدخال المرأة .
إن أعجبَ ما فى هذه القصة ذكاء المرأة وسرعة بديهتها وحسن تصرفها وحيلتها فلو أنها كانت قاومته أو تلاسنت معه بكلامٍ قبيحٍ لربما كان أخذها بالقوة فخسرت هى كل شئٍ وتحقق له ما أراد ، لكنها تعاملت بما نسميه اليوم ثقافة السلم واللاعنف ، ولعبت على نفسية الرجل ؛ فتحقق لها كل ما أرادت وصانت نفسها .
# التذكير بالله والإحراج بأدب :
ورد أن رجلاً استغل فرصة سير امرأةٍ فى طريقٍ فضاءٍ وحدها فحاول أن يراودها عن نفسها ، فأخذت تذكِّره بالله حتى تَراجَع وأخبرها أنه كان يمزح  فردَّته رداً محرجاً فيه أدب وبلاغة فقالت له :
فإياك إياك المِزاح فإنه …  يُجرِّي عليكَ الطفلَ والرُّجل النذلا
ويُذهِب ماء الوجه بعد بهائه …   ويُورث بعدَ العز صاحبَه ذلا
# استخدام وسائل دفاع شخصية :
كالصاعق الكهربائى ونحوه ولكن هناك طرق مبتكرة ومتواجدة فى أى مكان ولا تحتاج جهداً فى الحَمْل وتكلفتها لا شئ تقريباً كما أنها خفية وغير متوقعة من قبل المتحرِّش أو المعتدِى :

– وضع حصىً صغير جداً فى شنطة المرأة لقذفه فى وجه المتحرِّش إذا حاول الاقتراب أو أشار بإشارات بذيئة أو تلفظ بألفاظ مُوحية جنسياً .
– رشه بمواد مهيِّجة للجلد والعين لإبعاده فى أسرع وقت .

– وضع دبوس أو أكثر على أصابع اليد ولفها بلاصق عليها بحيث لا يظهر منها غير نهاياتها فقط ، وعند محاولة المتحرِّش لمس جزء من الجسم أو الاقتراب منه يتم وخزه بخفة وسرعة مرات متكررة ، وهذه الطريقة مفيدة جداً عند حدوث التحرشات الجماعية بصنع دوائر حول الفتاة فعليها استخدام الدبابيس بسرعة وخفة وهنا تنطبق القاعدة ” الجرى كل الجدعنة ” .
– تعلم الفتاة لرياضات  كالكاراتيه ونحوه من رياضات اللياقة والدفاع عن النفس  مما لا يفقدها أنوثتها  .
Advertisements
بواسطة traditionsrebel