الفيس بوك يعكس الصراع حول دور الإسلام

الإسلام فى عالم جديد
الفيس بوك يعكس الصراع حول دور الإسلام
في الشرق الأوسط ، الدِّينِيُّون والعَلْمانيون يتنافسون على الإنترنت .
لكن هَلْ يسمع جانِبٌ الآخَرَ ؟
كَتَبَه جِفْرِي فِلِشْمان Jeffrey Fleishman
كاتب بصحيفة لُوس أنجِلِس تايِمْز
19 من سبتمبر/أيلول 2008
القاهرة —  بأصابعه التي تَنْقرُ مثل جيشٍ صغيرٍ جداً على مفاتيحِ الحاسوب النقال laptop ، يتصفح وليد كُرَيِّم –  طالب الجامعة الذي يستشهد بأيْنِشْتايِن Einstein وفُولْتِيرVoltaire – الإنترنت في مَقْهىً صاخبٍ ويَفْتحُ مجموعتَه فى الفيس بوك التى تقُود الإسلاميين إلى نوباتِ الغضب : (( نعم ، نحن عَلْمانيون ونفتخر)) .
الجو حارُ وهو يَتعرّق ، وهو يَنْقر خلال سُمِّ الإنترنت والرسائل المملّةِ العاطفيةِ مِنْ المسلمين الذين يُجادِلون حول الإسلام والديمُقراطية في الشرق الأوسط .
بعضُها لَعُوب ، وبعضُها له معنىً  ، لكن ما وراء أسماءِ الشهرة وأسماءِ الاتصالِ(على الإنترنت) المضحكة ، أعطىَ هذا العالَمُ الإلكتروني المُوازِي  شبابَ المسلمين صوتاً أعلى من مساجدِهم وحكوماتِهم القَمعِيَّة .
وقال كُرَيِّم : ” هذه لَيسَت مجرد حرب تقنية ، لكن خُلُقية . الفيس بوك يَعْكِسُ ما يَحْدُثُ في المجتمعِ المُسلِم . ” أَنا مُنشغِل في الحوارِ بين الإسلاميين والعَلْمانيين . لكن هناك توتُّر أكثرُ من اللازم . لا أحدَ يُريدُ مُرَاجَعَةَ آرائه . لقد تحوَّلَ إلى حربِ صُراخ . يتحدث الإسلاميون إلىَّ ككافِر . يُريدونَ تَغييرى . يَستشهدون بآياتٍ من القرآنِ كما لو ليُوقِظونِى .”
إنّ الصراعَ على دَوْرِ الإسلامِ في القرنِ الجديدِ .
مجموعات الفيس بوك كمجموعة كُرَيِّم تسعَى إلى الفَصْلِ بين الرُّوحِىّ والسياسِىّ .
الصفحات والمجموعات المحافِظَة تدعُو إلى قيام دُوَلٍ إسلاميةِ والانسحاب من التأثيراتِ الغربيةِ التحرّرية . هناك مجموعة على الفيس بوك تسعى حرفياً إلى إيقاظ المؤمنين حيث تتصل هاتفياً لإيقاظ أعضائها حتى لا ينامُو عن صلاة الفجر .
بتَبَارُز الأسماء مثل اليومِ العالمى لتنزعِى حجابَكَ ، والنبي محمد : الزعيم الأعظم لكُلّ زمان ، يُعنّف أحدهما الآخر؛ يتّفقونَ ألاَّ يتَّفِقُوا ومن حينٍ لآخر يخترقون بشكل غير مصرح به صفحات الفيس بوك المعارضة لإسكات –  على الأقل مؤقتاً –  الحرب الكلامية المسيئة .
إنه منظر طبيعى منعش للإنترنت , مكان حيث تستعرض الآراء حول الفتاوى وخِتان الإناث في  ثقافة حساسة نموذجياً لمدَى مدافعة الدِّين والتشكيك به .
لكن بدون تركيب مركزي، الإسلام الذي تُرجمتْ عقائده بطرقٍ مختلفةٍ مِن قِبَل أئمّةٍ ومَلالٍ – جمع مُلاَّ – لا عَدَّ لهم ،  يُحلَّل الآن بآلافٍ من متصفّحى الشبكة المتباينين الصِّغار الجدد . البعض مؤمنون كالخطبِ الأسبوعيةِ تُطقطقُ مِنْ المآذنِ؛ آخرون مشوّشون يبحثون ، والبعض يدفع للتغيير بتهليلات لحقوق الإنسان والحداثة .
يعتقد كُرَيِّم بأنّه يعيش في زمنٍ تحَوُّلِىٍّ في التاريخ الإسلامي ؛ حيث يمكن لجيل جديد أَنْ يعبِّرَ عمَّا يُريدُ على الشاشات التي يُمْكِنُ أَنْ تَحْملَ أعداداً لا نهائية مِن الكلمات . شىءٌ مثير، لَكنَّه يَتسائلُ إلى أين سيصل ؟!. هل هو ثرثرة وحديث في فراغ ، استفزازية لكن لَيستْ قويَّة بما فيه الكفاية للانقلاب على حكوماتِ مستبدّةِ أَو لتحديث الفكر الديني ؟
وقال كُرَيِّم : ” مصر ممسوكة في مكان ما بين الإسلامِ والدولة مدنية . ” ؛ ” لِهذا عندنا كل هذا القلق المشوب بالذنب . “
تحت طنين مكيَّف الهواء في حيِّ هليوبوليس للطبقة المتوسطة العليا فى القاهرة يجلس عَمْرو علي – طالب فى طب الأسنان مؤمن مُخلِص – في غرفة نومِه ويكتب بشراسة على صفحته فى الفيس بوك ” نحن الشباب المُسلِم نستطيع تغيير هذا العالم . ” أصبح هذا المسعى مستهلكاً جداً للوقت لدرجة أن والد علِيّ – جرّاح عظام يتخوَّف أن يُصنَّف ابنُه ظلماً كراديكالي مِن قِبَل قوّات الأمن – يَفْصِل خَطَّ الإنترنت فائق السرعة الخاص بالعائلة أثناء امتحاناتِه .
قال علِىّ ذلك النحيل بنظَّارتِهِ بدون إطار الذى وصل عدد أعضاء مجموعته فى الفيس بوك 22 ألفاً تقريباً : ” المجموعات العَلْمانية والمُلحِدة تُرسِل على مجموعتي متهِمين الإسلام بترويج الإرهاب . ” ، وأضاف : ” أَنا مندهش جداً من كل مجموعات الفيس بوك العَلْمانية ، أنا قَلِق ؛ فَهُمْ شباب ضائعون يتَّبِعون شعاراتٍ مُضلِّلة ؛ بعضُهم كُلِّياً ضدّ الدين وكُلّ الأنبياء . “
في هدوء غرفتِه الخافت ، علِيّ مبشِّرٌ ومُفسِّر ؛ يُريد مَحْو الأفكار الغربية النمطية الشائعةِ حول الإسلام ناشراً رسالة القرآن من الدار البيضاء إلى باريس .لقد عبرَتْ مجموعته فى الفيس بوك الحدود الجغرافية إن لمْ تكن الفكرية لامعةً بصُوَرِ المفكّرين الإسلاميين المعتدلين على اختلافِهم من واعظِ التلفاز عَمْرو خالد إلى الواعظ الأفريقي الجنوبي أحمد ديدات إلى يوسف إسلام كات ستيفنس Cat Stevens سابقاً .
قال علِىّ : ” يُمْكِنُنا تغيير التصوّرات حول الإسلام  ” لى الآن عَلاقة معَ رجلٍ أمريكي على الفيس بوك .لقد تواصل معى أولاً مُعتبراً أنى إرهابي وسألنِى ‘ هَلْ تنتمِى إلى القاعدة ؟ ‘ لَكنِّي وضّحتُ طبيعةَ الإسلامِ مستعملاً  آيات القرآن لتَصحيح سوء تصوره ، والآن نتناقش على الإنترنت حول الإسلام والبوذية .
” أُساعدُ أيضاً امرأة بريطانية تُريدُ التحول إلى الإسلام ، بعثت لى رسالة عبر مجموعتى .لقد ساعدتُها لتجد أقرب مسجدٍ في إنكلترا. لقد أصبح ذلك كل مهمتي . “
تجمع صفحةُ علىّ فى الفيسبوك فى نفس الوقت بين العولمة والتقليد ؛ فهى مزيج من الإنكليزية والعربية ، تصل إلى المسلمين المتعلِّمين في الشرق الأوسطِ والغربيين فوق ذلك . إنّ رسالةَ الصفحةَ المُغرِية تُنقَل مِن قِبَل راوٍ ناطقٍ بالإنكليزية  يتنامَى صوتُه حثيثاً على موسيقى تشبه الهيب هوب مروضةً بعصر جديد :
” عبر حياتِنا أُخبِرنا نحن الشبابَ المسلمَ بأنّنا يَجِبُ أَنْ نلهو ونحن شباب ونمارس الإسلام عندما نَتقدّمُ في السنَّ . الله سَيَسْألُنا يوم الحساب عما عملنا ولا عذرَ لنا حينئذٍ. نحن الشباب يُمْكِنُنا أَنْ يُغيّرَ هذا العالمِ؛ عِنْدَنا الإسلام ، عِنْدَنا الإبداعُ ، وعِنْدَنا الطاقةُ. إذا لم نَعْملْ للإسلام ، فالله  قادرٌ على أن يَستبدلنا بجيلٍ يَحبُّه أكثر منا ، يَخَافُه أكثر منا ، يُعيدُ الإسلامَ إلى هذا العالم . “
نَقر علِيّ على صفحةٍ للرسوم البيانية والنِّسَب المئويةِ فوجد أن سبعةً وستّين بالمائة من زوار موقعه بين 18 و24 سنةً ، 1 % فقط 45 سنةً أو أكبر. تفوق النِساءُ  الرجالَ عدداً بنسبة59 % إلى 41 % طبيعياً كَمَا هو الحَال فى أى موضوع ، لكن علياً يُضيفُ قناعةً دينيةً للسبب
” قالَ النبيُّ بأنّ النِساء يملِكْنَ قلوباً أرقَّ من الرجال ؛ لِهذا أعتقد أن هناك بناتٍ أكثرَ على المجموعات مثل مجموعتى . أَعتقدُ لو ذهبتَ إلى المجموعاتِ العَلْمانيةِ ستجد في الغالب رجالاً .”
كُريِّم عِنْدَهُ مخطّطاتُه الخاصةُ ورُسوماتُه، وقد استأجرَ مؤخراً امرأةً أردنيةً لتَرْجَمَة مجموعته على الفيسبوك إلى الفرنسية . المجموعة التي حَملتْ قبل أيام رابطاً لصفحة مشجعى الممثلِ ويل سميث هى أيضاً بالعربيةِ وتَقْبلُ الرسائل بالإنكليزيةِ. كُريِّم قرينٌ لعلِيّ، فهو شابّ فضوليٌّ ثقافياً ، يمضى ساعاتٍ في المقاهي يرشِفُ العصائرَ ويُطلق الخِطابات . ولقد ناقشَ هو وعلِيّ  فلسفاتِهم على شبكة الإنترنت ، ويَعتبرُ كلٌّ منهما الآخرَ بأدبٍ خصماً كُفئاً .
وقال كُريِّم – دارس إدارة الأعمال والذى انضم إلى مجموعة ” مصر دولة عَلْمانية ” على الفيسبوك – : ” يلجأ المسلمون الشباب  إلى هذا العالمِ الافتراضيّ لأننا لا نملك فضاءً في العالمِ الفعليّ ” ، ,وأضاف “العلمانية أفضل وسيلة ؛ لأنها أساسٌ للديمقراطية . مصر لا تتجه نحو الإسلام بل تتجه نحو الوهم .  إن تأسيس طريقة تفكيرك على الدينِ أسطورة ، وهذه الأسطورةِ انتهت في العصور المُظلمةِ .”
” إنه وقتٌ حسّاسٌ الآن . لقد اعتدت أن اقول ‘ لا سَامَحَ اللَّهُ العلمانية . ‘ الآن أَرى الدين واسعَ الانتشار جداً . الدولة الإسلامية ستَضعُ حَدّاً للمساواة . مهما حاولت أن تكون رحيمة لَنْ تَصلَ الدولة إسلامية إلى المساواة التى يَستحقُّها  كُلُّ المواطنين . “
ذلك هو صلب الجدال عبر الشرق الأوسط ، ليس فقط في فضاء الإنترنتِ، لكن مِنْ أماكن بيع الفلافل إلى المساجدِ إلى القاعاتِ ، وفي بَعْض الحالاتِ قصورِ الحكومة . في مصر، على سبيل المثال، قَمعَ نظامُ الرّئيسِ حسني مبارك حريةَ التعبيرِ السياسيِّ بشكل كبير .العديد مِنْ المصريين خصوصاً الطبقة المتوسطة يئسوا من السياسة وأصبحوا أكثرَ تديُّناً .الحجاب ، المُلصَقات الدينية ، ورسائل النصوص القرآنية أَصْبَحت شائعةً بشكلٍ  متزايد .
وقال كريم الذى بلغت مجموعته 2300 عضواً : ” ثلاثون فى المائة من الرسائل التى أستلمها كل يوم شتائم من الإسلاميين ” وأضاف : ” حياتهم تدور حول نصوص دينية ، هم منغلقون لأى شئ آخر ، أمى متدينة جداً وتخبرنى ‘ أرشدك الله إلى الطريق الصحيح . ‘ “
العالمان الحقيقى والإلكترونى لكُرَيِّم يُدوِّيان بالتناقض ملهماً إياه معركةً أيدلوجيةً وأحياناً تاركاً إياه متصارعاً .
ربما أكثر من المنطق الغامض للمواقع الجهادية أو مدونات النشطاء السياسيين المسجونين ، فإن معركة الفيسبوك الرئيسية حول الدين ستؤثر أكثر على مسار الإسلام وعلاقاته مع الغرب .
فى يوم آخر وهو يجلس فى مقهىً قبل الغسق بساعةٍ كان لدى كُرَيِّم لحظةٌ وجيزةٌ من الشهامة ” مناظرة الإنترنت هذه قد تؤدى إلى أرضيةٍ مشتركةٍ بين العَلْمانِيين والدينيين ؛ فهناك تشابهات أكثر مما تعتقد .”
لكنَّ نقرةً لطاولة نقاشه – حكم إسلامى أم عَلْمانِى –  توحِى بأن الأرواح الشقيقة والأرضية المشتركة بعيدة المنال .
كتب محمد عامر ” العَلْمانية مرفوضة بكل الوسائل ” معنفاً كُرَيِّم فى مشاحنة إلكترونية من إحدى المزايدات ” وفى الواقع إنها تتعارض مع إرادة المصريين والشعوب العربية والمسلمة الذين يتوقون إلى الحكم الإسلامى .المصالح الوطنية تقع فى الالتزام بالإسلام والإيمان .”
صاح كُرَيِّم غاضباً ” كفى ، أقسم بالله ، لقد سئمنا مما تقول .هو نفس الكلام كله نفس التعريفات الجاهلة للعَلْمانية ونفس الحُجج عديمة الجَدْوَى .أنا لن أرد على ما تقوله لأنى بالفعل قد رَددت عشرات المرات .”
لكنَّ أصابعه لا تزال تكتب !
jeffrey.fleishman
@latimes.com
نهى الحناوى من مكتب التايمز بالقاهرة أسهمت فى هذا التقرير .

ترجمه أحمد البيلى .

Advertisements
بواسطة traditionsrebel